الشيخ محمد رشيد رضا
72
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عز وجل وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ النشوز في الأصل بمعنى الارتفاع فالمرأة التي تخرج عن حقوق الرجل قد ترفعت عليه وحاولت أن تكون فوق رئيسها ، بل ترفعت أيضا عن طبيعتها وما يقتضيه نظام الفطرة في التعامل فتكون كالناشز من الأرض الذي خرج عن الاستواء . وقد فسر بعضهم خوف النشوز بتوقعه فقط ، وبعضهم بالعلم به ، ولكن يقال لم ترك لفظ العلم واستبدل به لفظ الخوف ، أو لم لم يقل واللاتي ينشزن ؟ لا جرم ان في تعبير القرآن حكمة لطيفة وهي : ان اللّه تعالى لما كان يحب أن تكون المعيشة بين الزوجين معيشة محبة ومودة وتراض والتئام لم يشأ أن يسند النشوز إلى النساء إسنادا يدل على أن من شأنه أن يقع منهن فعلا بل عبر عن ذلك بعبارة تومئ إلى أن من شأنه أن لا يقع لأنه خروج عن الأصل الذي يقوم به نظام الفطرة ، وتطيب به المعيشة ، ففي هذا التعبير تنبيه لطيف إلى مكانة المرأة وما هو الأولى في شأنها ، وإلى ما يجب على الرجل من السياسة لها وحسن التلطف في معاملتها ، حتى إذا آنس منها ما يخشي ان يؤل إلى الترفع وعدم القيام بحقوق الزوجية فعليه أولا أن يبدأ بالوعظ الذي يرى أنه يؤثر في نفسها والوعظ يختلف باختلاف حال المرأة فمنهن من يؤثر في نفسها التخويف من اللّه عز وجل وعقابه على النشوز ، ومنهن من يؤثر في نفسها التهديد والتحذير من سوء العاقبة في الدنيا كشماتة الأعداء والمنع من بعض الرغائب كالثياب الحسنة والحلي ، والرجل العاقل لا يخفى عليه الوعظ الذي يؤثر في قلب امرأته . وأما الهجر فهو ضرب من ضروب التأديب لمن تحب زوجها ويشق عليها هجره إياها وذهب بعض المفسرين ومنهم ابن جرير الطبري أن المرأة التي تنشز لا تبالي بهجر زوجها بمعنى إعراضه عنها وقالوا إن معنى « وَاهْجُرُوهُنَّ » قيدوهن من هجر البعير إذا شدّه بالهجار وهو القيد الذي يقيد به . وليس هذا الذي قالوه بشيء وما هم بالواقفين على أخلاق النساء وطباعهن فان منهن من تحب زوجها ويزين لها الطيش والرعونة النشوز عليه ، ومنهن من تنشز امتحانا لزوجها ليظهر لها أو للناس مقدار شغفه بها وحرصه على رضاها ، أقول ومنهن من تنشز لتحمل زوجها على إرضائها بما تطلب من الحلي والحلل أو غير ذلك ، ومنهن من يغريها أهلها بالنشوز لمآرب لهم